أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

506

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قال الشيخ « 1 » « وهذا الذي ذكره لا يكون إلا على المجاز في قول : وهو أن يراد به كلمة اللّه ، لأنّ اللفظ لا يكون الذات » . والنصب يجوز فيه ، أن يكون مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة كقولك : « هو عبد اللّه الحقّ لا الباطل » أي : أقول قول الحق ، فالحقّ : الصّدق وهو من إضافة الموصوف إلى صفته ، أي : القول الحق كقوله : « وَعْدَ الْحَقِّ » * أي : وعد الصدق ويجوز أن يكون منصوبا على المدح إن أريد بالحق الباري تعالى . و « الَّذِي » نعت للقول إن أريد به عيسى . وسمّي قولا كما سمّي كلمة ، لأنه عنها نشأ ، وقيل : هو منصوب بإضمار عني ، وقيل : هو على الحال من « عِيسَى » . ويؤيد هذا ما نقل عن الكسائي في توجيه الرفع : أنه صفة ل « عِيسَى » وقرأ الأعمش « قال » يرفع اللام ، وهي قراءة ابن مسعود أيضا ، وقرأ الحسن « قول » بضم القاف ورفع اللام ، وهي مصادر ل « قال ، يقول ، قولا وقيلا وقولة » كالرّهب والرّهب والرّهب . وقال أبو البقاء : والقال اسم مثل القيل ، وحكى « قول الحقّ » « بضم القاف » مثل الرّوح وهي لغة فيه . قلت : الظاهر أنّ هذه مصادر كلها ليس اسما للمصدر كما تقدّم تقريره في : الرّهب والرّهب والرّهب . وقرأ طلحة والأعمش « قال الحقّ » جعل « قال » فعلا ماضيا و « الحقّ » فاعل به . والمراد به الباري تعالى ، أي : قال الحق إنّ عيسى هو كلمة اللّه ، ويكون قوله : « الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ » خبر مبتدأ محذوف وقرأ علي بن أبي طالب والسّلمي وداود بن أبي هند ، ونافع ، والكسائي في رواية عنهما « تمترون » بتاء الخطاب ، والباقون بياء الغيبة ، و « يَمْتَرُونَ » يفتعلون ، إما من المرية وهي الشّكّ ، وإمّا من المرار وهو الجدال . وتقدم الكلام على نصب « فَيَكُونُ » وما قيل فيه « 2 » . قوله : وَإِنَّ اللَّهَ . قرأ ابن عامر والكوفيون « وَإِنَّ » بكسر « إِنَّ » على الاستئناف ، ويؤيدها قراءة أبي « إنّ اللّه » بالكسر دون واو ، وقرأ الباقون بفتحها ، وفيه أوجه : أحدها : أنها على حذف حرف الجر متعلقا بما بعده ، والتقدير : ولأنّ اللّه ربي وربكم فاعبدوه ، كقوله تعالى : « وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً » والمعنى : لوحدانيته أطيعوه . وإليه ذهب الزمخشري تابعا للخليل ، وسيبويه . الثاني : أنها عطف على « الصّلاة » ، والتقدير : وأوصاني بالصّلاة وبأنّ اللّه . وإليه ذهب الفراء ، ولم يذكر مكي غيره ، ويؤيده ما في مصحف أبي : « وبأنّ اللّه ربّي » بإظهار الياء . وقد استبعد هذا القول « 3 » لكثرة الفواصل بين المتعاطفين ، وأما ظهور الباء في مصحف أبيّ فلا يرجع هذا ، لأنها باء السببية ، والمعنى : بسبب أن اللّه ربي وربكم فاعبدوه فهي كاللام . الثالث : أن تكون « أَنْ » وما بعدها نسقا على « أَمْراً » المنصوب ب « قَضى » ، والتقدير : وإذا قضى أمرا وقضى أنّ اللّه ربي وربكم . ذكر ذلك أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء . واستبعد الناس صحة هذا النقل عن أبي عمرو ، لأنه من الجلالة في العلم والمعرفة بمنزلة يمنعه من هذا القول ، وذلك لأنه إذا عطف على « أَمْراً » لزم أن يكون داخلا في حيّز الشرط ب « إِذا » وكونه تعالى ربنا لا يتقيد بشرط البتة ، بل هو ربنا على الإطلاق ، ونسبوا هذا الوهم لأبي عبيدة ،

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 189 ) . ( 2 ) انظر سورة النحل آية ، ( 40 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 190 ) .